المقريزي

58

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

على سمتها إلى كوم الجارح ، ومن كوم الجارح إلى جامع ابن طولون وخطّ قناطر السّباع وخطّ السّبع سقايات ، إلى قنطرة السّدّ ومراغة مصر ، إلى المعاريج بمصر ، وإلى كوم الجارح ؛ ففي هذه المواضع كان العسكر والقطائع . ويخصّ العسكر من ذلك ما بين قناطر السّباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح ، حيث الفضاء الذي يتوسّط ما بين قنطرة السّدّ وبين سور القرافة الذي يعرف بباب المجدم ؛ فهذا هو العسكر . ولمّا استولى الخراب في المحنة ، أمر ببناء حائط يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا سار من القاهرة إلى مصر ، فيما بين العسكر والقطائع وبين الطّريق ، وأمر ببناء حائط آخر عند جامع ابن طولون . فلمّا كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي ، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون بن البطائحي فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر : بأنّ من كان له دار في الخراب أو مكان فليعمره ، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه ، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له ولا حكر يلزمه ، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حقّ « 1 » . وكان سبب هذا النّداء أنّه لمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي في آخر الشّدّة العظمى وقام بعمارة إقليم مصر ، أخذ النّاس في نقل ما كان بالقطائع والعسكر من أنقاض المساكن ، حتى أتى على معظم ما هنالك الهدم ، فصار موحشا ، وخرب ما بين القاهرة ومصر من المساكن ، ولم يبق هنالك إلّا بعض البساتين . فلمّا نادى الوزير المأمون ، عمّر النّاس ما كان من ذلك ممّا يلي القاهرة من جهة المشهد النّفيسي إلى ظاهر باب زويلة - كما يرد خبر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه « 2 » - ونقلت أنقاض العسكر كما تقدّم ؛ فصار هذا الفضاء الذي يتوصّل إليه من مشهد السّيّدة نفيسة ومن الجامع الطّولوني ومن قنطرة السّدّ ومن باب المجدم في سور القرافة ، ويسلك في هذا الفضاء إلى كوم الجارح .

--> ( 1 ) ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 134 - 135 ، وفيما يلي 2 : 20 ، 100 ، 265 . ( 2 ) فيما يلي 2 : 20 ، 100 ؛ وأيضا ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 134 - 135 .